لماذا السور والفناء الارضي مهمين في البيوت
هذا المقالة مكملة للجزء والاول تجدونه هنا
أبعاد حياتية
يوفّر عنصرا السور والفناء (الحوش الارضي) في الحضارات المدنية القديمة والمجتمعات الحديثة متنفساً مهماً لسكان البيت، ويشكلان عناصر معمارية نشطة وغير نشطة (active/passive) مؤثرة في الحياة اليومية.
يعتبر السور والحوش الارضي مساحة مستغلّة استغلالاً كبيراً للانشطة الحياتية اليومية المتنوعة، لتطوير الفكر، لشحن النفس، كما انا لهما فوائد اقتصادية عظيمة.
يرفع السور الخارجي والفناء جودة حياة الافراد والاسرة والبيئة المحيطة. فالسور يصنع من البيت حصناً إجتماعياً للداخل و فاصلاً ذهنياً ونفسياً عن العالم الخارجي. عالم الاغراب العام وعالم العائلة الخاص. عالم الجد والاجتهاد والضوضاء وعالم الراحة والهدوء والسكينة.
وقد سُميّت الأحياء والبيوت ”سكنية“ لان الانسان يسكن فيها جسدياً وذهنياً فور ولوجه إليها. من لحظة دخوله شارع الحي حتي وصوله باب مسكنه (هذه الصفة بدأت تختفي عن الاحياء الكويتية).
إن السور والحوش الارضي يشكلان جنة وملعب لمتعة الاسرة دون الاضطرار إلى الخروج من الباب، إلى جلسات على الرصيف العام (تعدّى على أراضي دولة!) أو التسكّع في المجمعات والمقاهي والمطاعم والاسواق كالمراهقين والمشرّدين كل حين.
هناك ميزات متعددة وأهمية يوفرها الحوش الارضي عن حوش السطح. فالحوش يوفّر التكاليف من البناء إلى التشغيل والصيانة. كما ان له استعمالات حياتية عمليّة لا يوفرها حوش السطح (لعب، تخزين، موقف، هوايات فردية وأنشطة اجتماعية، الخ). كذلك، يمكن زراعة الحوش الارضي بأشجار تلطّف وتنقّي جو البيت، تدخل الجمال والراحة النفسية، تجذب الطيور، تبرّد البيت صيفاً و تدفئه شتاءً.
إن إلغاء الحوش الارضي بسبب غلاء الاراضي والعقار، أكثر كُلفة على الحياة والصحة والميزانية من كُلفة الارض.









مخاطر أجتماعية وثقافية
المباني والبيوت انعكاس ثقافة الفرد والمجتمع، تاريخ وحضارة ومستقبل البلد (الهوية العمرانية). لذا تتعامل معها الحكومات والبلديات والمجتمعات المدنية بعناية فائقة.
أمّا هذه الجحور والصناديق الكونكريتية المنتشرة في الكويت حالياً غالباً لا تمت للمعمار السليم والمجتمع العربي والدين الاسلامي بصلة. هي تشوّه مفاهيم الخصوصية والسكن والأمان في ذهنية الأطفال والأسرة. إذ تمسحها من فكرهم وتحرمهم من خبرات انسانية مهمة جداً مرتبطة بالعمران والمحيط الداخلي.
فإلغاء عناصر بنيوية مثل السور والحوش الداخلي في المساكن يلغي المساحة الفكرية الفاصلة بين الحياة الخاصة والعامة. بين ما يجوز وما لا يجوز. بين المقبول وغير المقبول. وتدريجياً بين المحلّل والمحرّم، ليصبح المرجع الفكري ”مزاج ومشتهى“ الفرد وحده. تجد هذه الحالة شائعة في المجتمعات الغربية.
مثلاً، في الماضي كان عيباً تفتح باب البيت بملابس داخل البيت. الآن صرنا نرى ملابس البيت في الاماكن العامة وربما العمل الرسمي. أو ابتداع تصرفات اجتماعية غريبة بزعم ”ذوق شخصي“. هذه ترجمات عمليّة لإنتقال إلغاء الفصل في البناء إلى سلوكيّات بشرية سلبية.
”إياكم والجلوس على الطرقات“



إن الحديث الشريف والعادات الحميدة ينهون عن الجلوس في الشارع العام خاصة داخل الفرجان السكنية. فهو أمر قبيح مستهجن لدى أهل العفّة والاحترام والوقار. هي طبائع بشرية حميدة ليست حصراً على الشرق والاسلام، وإن قلّت في سواهم.
أنتقلت للاسف جلسات الشارع من المراهقين وشباب الشوارع إلى تصاميم بيوت تطل صالاتها على الشارع، و جلوس أُسر بأكملها على الرصيف كنتيجة مباشرة لالغاء الحوش الارضي والسور.
هي مصيبة إجتماعية حضارية كبرى حيث يتم تبرير ذلك بزعم ”الحداثة“ العمرانيّة ورخاء العيش، أو عدم التدّخل في استعمال الملكية الخاصة (لكن استباحة الأرض العامة حلال!).
إن المساكن ترجمة مباشرة لعقلية وثقافة ودين المجتمع، الذي قد يخطأ أغلبه الاختيار.
قال تعالى في قوم ثمود: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} (الحجر: 82)، و {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} (الشعراء: 149).
ما أشبه بيوت الكويتيين ”المودرن“ ببيوت قوم ثمود. نأمل ان لا تكون النهاية مشابهه.
