تحرص الدول والدساتير على تربية وحماية مواطنيها ومجتمعاتهم من الامراض والاسقام الجسدية والذهنية عبر خلق هوية عمرانيّة من خلال البناء المناسب. تقوم الهوية على أُسس علمية اجتماعية تراثية وثقافية عالية تواكب المتغيرات لكنها تظل محافظه على الهوية الوطنية والانسانية وترفع جودة الحياة في كل حين.
إلاّ اننا أُبتلينا ببلدية ومجلس بلدي يهملون مبادئ وقواعد التخطيط الحضري والهوية العمرانية ويتجاوزون على نحو تسعة مواد دستورية مدرجة في باب ”المقومات الاساسية للمجتمع الكويتي“ من خلال تشريع وترخيص مباني وبيوت سكنية خاوية من أهداف العمران الجامع ومكونات العيش المشترك. فالتصاميم والبناء يركّزون ويقدمون الأمزجة الشخصية والأهواء الفردية والمنافع الضيّقة على غيرها.
هوية ”كلّ يغني على ليلاه“ العمرانية
بتعديلاتهم غير المسبوقة على تشريعات وأنظمة البناء خلال نحو عقدين، نشرت البلدية والمجلس البلدي تصاميم متلاطمة وأحجام هائلة واستعمالات مرتبكة تُقدّم الفرد والمالك المُتاجر على العائلة والمجتمع، بدليل تحوّل كثير من بيوت ومناطق السكن الخاص النموذجي إلى استثماري، والاحياء السكنية الهادئة الى مناطق ذات كثافة عالية واستعمالات متداخلة.
من أبرز عواقب الأنظمة البُدعه انها ألغت مكونين أساسين في البيوت السكنية؛ السور الخارجي والفناء الداخلي (الحوش). فهما مكونان يفصلان ويحميان البيت وساكنيه من العوامل الخارجية. إذ جعلت حائط ونوافذ ومداخل البيت على حدود الارض وألصقتهم بالفضاء الخارجي مباشرة.
مؤخراً، وبزعم الحداثة وحرية المُلكيّة، ظهرت بيوت غريبة نوافذها الارضية الضخمة تقع على حدود الارض، تطل على الشارع مباشرة. في العالم، مثل هذا التصميم يوجد داخل اراضي كبيرة حيث تفتح فيها النوافذ على حديقة داخل حدود البيت، أو بوجود مساحة بين حدود البناء وحدود الارض. أو أحياء اصحاب ذوي الدخل المتدني جداً.
لا احد يرفض التطوّر والحداثة المدروسين بعناية. ولا ان ”أنظمة“ البناء المُبتدعه تلك أفكار جديدة ومتغيرات ”ترند“ لا يعيها إلاّ الحداثيين. هي فوضى هوية عمرانية، وربما اخلاقية، عارمة تكسر قواعد حياتية واهداف انسانية مهمة.
فهي لا تراعي الاسرة والجيران والبيئة، ولا تراعي حرمة البيوت والخصوصية والعادات الرصينة والثقافة الرفيعة، تتجاوز على مبادئ معمارية وانسانية واسلامية راسخة عابرة للجغرافيا والزمان. وقد خلقت فوضى بين أضداد في الشكل والمضمون، مع ذاتها ومحيطها ولا تقدم نسقاً معمارياً مريحاً ذو قيمة حقيقية.
لذا اصبحت مناطق الكويت السكنية تجمّعات كانتونات بشرية داخل نفس المبنى وداخل الحي. كانتونات أضعفت العائلة وقضت على روح الجيرة والترابط الاجتماعي. تصاميم عارية تضع الاطفال وأفراد الاسرة فُرجة للجميع، لا تستر خصوصيتهم ولا ترعى حرمة الشارع والمكان العام.
نعم، الاماكن العامة لها حرمتها أيضاً.
للتذكير، يوجد عدة فوائد ومميزات للسور الخارجي في تصميم المباني والبيوت منها:
- الخصوصية
- الامن والسلامة
- بيان حدود المنزل (اصبح الرصيف والارتداد العام الآن هم الحدود!)
- حماية الاطفال والسكّان
- توفير مساحة خاصة لحركة للنساء والاسرة
- فوائد جمالية للمبنى والحي
- فوائد عمليّة معيشية
- خفض تكاليف البناء والتشغيل والصيانة
وللحديث تتمة…








