
مقدمة
يحصل الاقتصاد الريعي (Economic Rent) عندما ثم تقوم جهة ما بتحصيل أموال نظير خدمة تفوق جدواها الاقتصادية والاجتماعية. تتمثّل غالباً باستحواذ فرد أو مجموعة مصادر الثروات وعناصر العمل والانتاج الاساسية.
المجموعة المستحوذة لا تخلق منتج ولا تصنع سلع، لكنها ترفع تكاليف الانتاج والعيش على الناس والمشروع والاقتصاد (Cost Opportunity).
هذا الاقتصاد يستنزف الفكر والجهد، يحكر الموارد الطبيعية والخدمات العامة، وبالنتيجة يقيّد حرية الكسب والعيش، وبالتالي يوجّه الايرادات والارباح والاموال الناتجة إلى غير مستحقيها.
تاريخياً، وفي غياب منظومة الدولة القومية (Nation State)، كان حكر العقار ومصادر الثروات الطبيعية هما أبرز أوجه الاقتصاد الريعي. له اليوم أنماط ظاهرها متطور.

أمثلة تاريخية
مثال، إقطاعي يسد طريق عام أو جسر وحيد فوق نهر يعبر أرضه لا يفتحه للآخرين الاّ بمقابل مادي عالي، بينما هو لا يصنع منتج أو يقدم قيمة مضافه للمجتمع والاقتصاد الكلي.
مثال آخر، ثري يُقرض الناس، وربما السلطة، أموال بفوائد عالية جداً. عملية السداد قد تنتهي بزواجه من بنت المُقترض الجميلة، أو الإستحواذ على بيته وأهله وأرضه. وقد يحصل على مكتسبات سياسية إن أقرض السلطة.
معادلة غير عادلة
في معادلة الاقتصاد الريعي يكسب مُحتكر الخدمة – قد تكون أصلا مجانية – ما يساوي أو أكثر من صاحب المصلحة الاصلي، وهو بخلاف مستثمر يضخ مال في مشروع ما.
أيضا يتحوّل عنصر الخدمة من عامل مساعد إلى شراكة غير مباشرة دخيلة ترفع التكاليف وربما تؤدي إلى خسارة المشروع. بينما يبقى صاحب الخدمة صامداً.
توسّع مفهوم الاقتصاد الريعي حديثاً الى تأجير أراضي الدولة بالباطن، تأجير المستندات والتراخيص المطلوبة لبدء وممارسة الاعمال بالباطن، بينما في الاصل تقدم مجانية أو برسوم مخفضة من الدولة.
الريع في زمن التكنولوجيا
تطورت الخدمات الريعية إلى ما يعرف بإقتصاد المشاركة (Sharing Economy). وقد أثبتت التجارب أضرارها على أصحاب الأعمال وما يمتلكون من أصول شخصية مثل المركبات والبيوت، وأحياناً تصل الخسارة لصغار المستثمرين.
مع التطوّر التقني، انتقل الإقتصاد الريعي على يد جيل الاقطاعيين الجُدد إلى احتكار التكنولوجيا ومساحات العمل. أثرياء أمثال إيلون ماسك وجيف بيزوس (أبناء عوائل ثرية) يؤسسون خدمات إلكترونية ثم يؤجّرون استعمالها بمبالغ عالية.

خدمات اقتصاد المشاركة قائمة على استحواذ أصحاب المال على عناصر الانتاج الاساسية والاصول الشخصية: البشر، وسائل الدفع، البيوت والمباني، شبكات النقل والمواصلات العامة، ثم فرض رسوم عالية على من يمتلك الاصول ويحتاج السلعة، قد تصل إلى 30% فوق سعر المنتج.
معظم التطبيقات الإلكترونية تركب ظهر الاصول لتوصيل السلع دون ان تصنعه، أي دون تقديم قيمة نوعية حقيقية. مثل "أوبر" (UBER) بأنواعه، تطبيقات تأجير غرف وبيوت خاصة (AirBnB).
كذلك، أنشطة "خدمات تأجير مساحات العمل" مثل المطابخ المركزية أو الشبحيّة (Ghost Kitchens) و ”المكاتب المخدومة“ حيث يتم تأجير مساحات كبيرة، ثم تقسيمها وتأجيرها مكاتب صغيرة مشتركة للحواضن والاعمال الجديدة. كان أشهرها قبل أعوام شركة ”ويوورك“ (WeWork).
انتهت ”ويوورك“ بخسارة 1.9 بليون دولار أمريكي من أصل إيرادات 1.8 بليون دولار.

غالبية التطبيقات والخدمات التأجيرية تقوم على الإحتكار والاستحواذ. تفنى الاعمال وتبقى الخدمة.
ختامها خسائر
يتحمل أصحاب الاعمال والاصول العبء الأكبر في صيانة وإدارة أصولهم، توظيف مساعدين، العمل 24/7 لصالح مقدم الخدمة في غياب دخل ثابت مستقر، تأمين، راتب تقاعدي أو تعويض حال الاجازة والاصابة. كما يمكن التخلي عنهم بسهولة واستبدالهم بسبب إنزعاج عميل واحد.
كما تستنفز تلك الخدمات البنية التحتية، النظام الاداري، منظومة التجارة والصناعة، والخدمات العامة للدولة والاقتصاد.
وقد ذكرت ورقة بحثية صادرة عن مجلة ”كولومبيا للمراجعة القانونية“ ((Columbia Law Review بعنوان ”إقتصاد الاستحواذ: أوبر والمعلومات والسلطة“، ذكرت محاسن شركات اقتصاد المشاركة. لكنها انتقدت وحذّرت من عملية ”الاستحواذ“ التي تقوم بها تلك الشركات وهيمنتها معلوماتياً ولوجستياً على المستهلكين واصحاب الانشطة المشاركة.
أغرب ما في الامر ان الخدمات الريعية تُعلن انها موجودة لمساعدة أصحاب المشاريع الصغار والمجتمع، الذين لو لم تكن تلك ممارسات أصحاب الخدمات الريعية موجودة، لما احتاجوا لخدماتهم المُكلفة.
والله أعلم،،،،